النووي

23

تهذيب الأسماء واللغات

وجعلهم عدولا فأمرهم بالتّبليغ عنه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ليبلّغ الشاهد منكم الغائب » « 1 » ، وفي الحديث الآخر : « يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين » « 2 » ، وهذا إخبار منه صلّى اللّه عليه وسلم بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه ، وأن اللّه تعالى يوفّق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده ، فلا يضيع . وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر ، وهكذا وقع وللّه الحمد ، وهذا من أعلام النبوة ، ولا يضرّ مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم ، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه ، لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه ، واللّه أعلم . فصل في سلسلة التفقه لأصحاب الشافعي رحمة اللّه عليه ، منهم إلى الشافعي رحمه اللّه ، ثم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهذا من المطلوبات المهمّات ، والنفائس الجليلات التي ينبغي للمتفقّه والفقيه معرفتها ، وتقبح به جهالتها ، فإن شيوخه في العلم آباء في الدين ، وصلة بينه وبين رب العالمين . وكيف لا يقبح جهل الإنسان بالوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب ، مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرّهم وذكر مآثرهم ، والثناء عليهم وشكرهم ، فأذكرهم مني إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وحينئذ يعرف من كان في عصرنا وبعده طريقته باجتماعها هي وطريقتي قريبا . فأما أنا فأخذت الفقه قراءة وتصحيحا وسماعا وشرحا وتعليقا عن جماعات ، أوّلهم شيخي الإمام المتّفق على علمه ، وزهده وورعه ، وكثرة عبادته ، وعظم فضله ، وتميزه في ذلك على أشكاله ، أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي ، رضي اللّه عنه وأرضاه ، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه . ثم شيخنا : أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي ، الإمام العارف الزاهد ، العابد الورع ، المتقن ، مفتي دمشق في وقته رحمه اللّه . ثم شيخنا : أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الرّبعي - بفتح الباء - الإربلي ، الإمام المتقن رضي اللّه عنه . ثم شيخنا : أبو الحسن سلار بن الحسن الإربلي ، ثم الحلبي ، ثم الدمشقي ، المجمع على إمامته وجلالته ، وتقدمه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي رضي اللّه عنه . وتفقه شيوخنا الثلاثة الأولون على شيخهم الإمام أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصّلاح ، وتفقه هو على والده ، وتفقه والده في طريقة العراقيين على أبي سعيد عبد اللّه ابن محمد بن هبة اللّه بن علي بن أبي عصرون الموصلي ، وتفقه أبو سعيد على القاضي أبي علي الفارقي ، وتفقه الفارقي على الشيخ أبي إسحاق الشّيرازي ، وتفقه الشيخ أبو إسحاق على القاضي أبي الطّيّب طاهر بن عبد اللّه الطّبري ، وتفقه أبو الطيب على أبي الحسن محمد بن علي ابن سهل بن مصلح الماسرجسي ، وتفقه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 104 ) ، ومسلم ( 1354 ) من حديث أبي شريح العدوي ، ضمن خطبة النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم الفتح . وأخرجه البخاري ( 105 ) ، ومسلم ( 1679 ) من حديث أبي بكرة في خطبة الوداع . ( 2 ) أخرجه الخطيب البغدادي في « شرف أصحاب الحديث » ( 14 ) و ( 25 - 55 ) عن غير واحد من الصحابة ، والطحاوي في « شرح مشكل الآثار » ( 3884 ) من حديث أبي الدرداء ، وليس له إسناد قائم .